عبد الرحمن السهيلي

117

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

قل يا أيها الكافرون : فصل : وذكر قولهم الذي أنزل الله فيه : « قل يا أيُّها الكافرون » إلى آخرها فقال : « لا أعبد ما تعبدون » أي : في الحال « ولا أنا عابد ما عبدتم » أي : في المستقبل ، وكذلك : « ولا أنتم عابدون ما أعبد » فإن قيل : كيف يقول لهم : ولا أنتم عابدون ما أعبد ، وهم قد قالوا : هلم فلنعبد ربك ، وتعبد ربنا ، كيف نفي عنهم ما أرادوا وعزموا عليه ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أنه علم أنهم لا يفعلون ، فأخبر بما علم . الثاني : أنهم لو عبدوه على الوجه الذي قالوه ما كانت عبادة ، ولا يسمى عابداً لله من عبده سنةً ، وعبد غيره أخرى ، فإن قيل : كيف قال : « ولا أنتم عابدون ما أعبد » ولم يقل : من أعبد ، وقد قال أهل العربية : إن ما تقع على ما لا يعقل ، فكيف عبر بها عن الباري تعالى ؟ فالجواب : أنا قد ذكرنا فيما قبل أن ما قد تقع على من يعقل بقرينة ، فهذا أوان ذكرها ، وتلك القرينة : الإبهام والمبالغة في التعظيم والتفخيم ، وهي في معنى الإبهام لأن من جلت عظمته ، حتى خرجت عن الحصر ، وعجزت الأفهام عن كنه ذاته ، وجب أن يقال فيه : هو ما هو كقول العرب : سبحان ما سبح الرعد بحمده ، ومنه قوله : « والسماء وما بناها » فليس كونه عالماً مما يوجب له من التعظيم ما يوجب له أنه بنى السماوات ، ودحا الأرض ، فكان المعنى : إن شيئاً بناها لعظيم ، أو ما أعظمه من شيء ! فلفظ ما في هذا الموضع يؤذن بالتعجب من عظمته كائناً ما كان هذا الفاعل لهذا ، فما أعظمه ، وكذلك قوله تعالى في قصة آدم : « ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُد لما خَلقْتُ بِيَديَّ » ولم يقل : لمن خلقت ، وهو يعقل ، لأن السجود لم يجب له من حيث كان يعقل ، ولا من حيث كان لا يعقل ، ولكن من حيث أمروا بالسجود له ، فكائناً ما كان ذلك المخلوق ، فقد وجب عليهم ما أمروا به ، فمن ها هنا حسنت ما في هذا الموضع ، لا من جهة التعظيم له ، ولكن من جهة ما يقتضيه الأمر من السجود له ، فكائناً من كان ، وأما قوله تعالى : « لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُون » فواقعة على ما لا يعقل ؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام ، وقوله : « ولا أنتم عابدون ما أعبد » اقتضاها الإبهام ، وتعظيم المعبود مع أن الحس منهم مانع لهم أن يعبدوا معبوده كائناً ما كان ، فحسنت ما في هذا الموضع لهذه الوجوه ، فبهذه القرائن يحسن وقوع ما على أولي العلم وبقيت نكتة بديعة يتعين التنبيه عليها ، وهو قوله تعالى : « ولا أنا عابدٌ ما عبدتم » بلفظ الماضي ، ثم قال : « ولا أنتم عابدون ما أعبد » بلفظ المضارع في الآيتين جميعاً ، إذا أخبر عن نفسه قال : ما أعبد ، ولم يقل : ما عبدت ، والنكتة في ذلك أن ما لما فيها من الإبهام وإن كانت خبرية تعطي معنى الشرط ، فكأنه قال : مهما عبدتم شيئاً ، فإني لا أعبده ، والشرط يحول المستقبل إلى لفظ الماضي ، تقول : إذا قام زيد غداً فعلت كذا ، وإن خرج زيد غداً خرجت ، فما : فيها رائحة الشرط من أجل إبهامها ؛ فلذلك جاء الفعل بعدها بلفظ الماضي ، ولا يدخل الشرط على فعل الحال ، ولذلك قال في أول السورة : ما تعبدون ؛ لأنه حال لأن رائحة الشرط معدومة فيها مع الحال ، وكذلك رائحة الشرط معدومة في قوله : عابدون ما أعبد ؛ لأنه عليه السلام يستحيل أن يتحول عن عبادة ربه ؛ لأنه معصوم ، فلم يستقم تقديره بمهما ، كما استقام ذلك في حقهم ؛ لأنهم في قبضة الشيطان يقودهم بأهوائهم ؛ فجائز أن يعبدوا اليوم شيئاً ، ويعبدوا غداً غيره ، ولكن مهما عبدوا شيئاً ، فالرسول عليه السلام لا يعبده ؛ فلذلك قال : ولا أنتم عابدون ما أعبد في الحال وفي المآل ، لما علم من عصمة الله له ، ولما علم الله من ثباته على توحيده ، فلا مدخل لمعنى الشرط في حقه عليه السلام ، وإذا لم يدخل الشرط في الكلام بقي الفعل المستقبل على لفظه ، كما تراه ، ونظير هذه المسألة قوله تعالى : « كيف نُكَلِّم مَنْ كان في المهد صبيّاً » اضطربوا في إعرابها وتقديرها لما كانت من بمعنى الذي ، وجاء بكان على لفظ الماضي ، وفهمها الزجاج ، فأشار إلى أن من